ابن عجيبة
301
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وتحريض للمؤمنين على التشبه بالملأ الأعلى ، ولذلك شرع السجود عند قراءتها . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إذا قرأ ابن آدم السجدة ، فسجد ، أعتزل الشيطان يبكى ، يقول : يا ويله ؛ أمر هذا بالسّجود فسجد فله الجنّة ، وأمرت بالسّجود فعصيت فلى النار » « 1 » . الإشارة : اعلم أن الذكر على خمسة أقسام : ذكر اللسان فقط ؛ لعوام المسلمين ، وذكر اللسان مع القلب ؛ لخواص الصالحين وأول المتوجهين ، وذكر القلب فقط ؛ للأقوياء من السائرين ، وذكر الروح ؛ لخواص أهل الفناء من الموحدين ، وذكر السر ؛ لأهل الشهود والعيان من المتمكنين ، وفي قطع هذه المقامات يقع السير للسائرين ، فيترقى من مقام ، إلى مقام ، حتى يبلغ إلى ذكر السر ، فيكون ذكر اللسان في حقه غفلة . وفي هذا المقام قال الواسطي رضى اللّه عنه : الذاكرون في حال ذكره أشد غفلة من التاركين لذكره ؛ لأن ذكره سواه . وفيه أيضا قال الغزالي : ذكر اللسان يوجب كثرة الذنوب . وقال الشاعر : ما إن ذكرتك إلّا همّ يلعننى * سرّى ، وقلبي ، وروحي ، عند ذكراك حتّى كأنّ رقيبا منك يهتف بي : * إيّاك ، ويحك ، والتّذكار إياك أما ترى الحقّ قد لاحت شواهده * وواصل الكلّ من معناه معناك وقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ . . . الآية ، قال القشيري : أثبت لهم عندية الكرامة ، وحفظ عليهم أحكام العبودية ؛ كي لا ينفك حال جمعهم عن نعت فرقهم ، وهذه سنّة اللّه تعالى مع خواص عباده ، يلقاهم بخصائص عين الجمع ، ويحفظ عليهم حقائق عين الفرق ، لئلا يخلّوا بآداب العبودية في أوان وجود الحقيقة . ه .
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في ( الإيمان - باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ) من حديث أبي هريرة - رضى اللّه عنه .